الشيخ محمد رشيد رضا
633
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
انه دعا اليه دعوة عامة من أمر الدين الذي بعثه اللّه تعالى به كبيانه لصفة الصلوات وعددها والمناسك ولو بالفعل مع قوله « صلوا كما رأيتموني أصلي » وقوله « خذوا عني مناسككم » ومقادير الزكاة وغير ذلك من السنن العملية الدينية المتواترة وكذا أقواله المتواترة التي أمر بتبليغها فيما تدل عليه دلالة قطعية - وأما غير القطعي رواية ودلالة من سننه فهو محل الاجتهاد ، فكل من ثبت عنده شيء منها ببحثه أو بحث العلماء الذين يثق بهم على أنه من أمر الدين فينبغي له الاهتداء به فيما دل عليه من الأحكام الخمسة بحسبها - الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة - لأن الأمور العملية الاجتهادية يكتفى فيها بالظن الراجح في الدليل وفي دلالته ، ولكن لا يملك أحد من المسلمين أن يجعل اجتهاده تشريعا عاما يلزمه غيره أو ينكر عليه مخالفته أو مخالفة من قلده هو فيه ، إلا الأئمة أولي الامر فتجب طاعتهم في اجتهادهم في أحكام المعاملات القضائية والسياسية إذا حكموا بها لإقامة الشرع وصيانة النظام العام - وعلى هذا كله جرى السلف الصالح وجميع أئمة الأمصار ، ومن كلامهم ان المجتهد لا يقلد مجتهدا ، وانه لا يجب على أحد أن يقلد أحدا معينا دينه ، ولكن من عرض له أمر يستفتي فيه من يطمئن قلبه لعلمه بالكتاب والسنة ويأخذ بفتواه إذا اطمأن لها . وقد امتنع الامام مالك من إجابة المنصور ثم الرشيد إلى ما عرضاه عليه من الزام الناس العمل بكتبه حتى الموطأ الذي هو سنن واطأه جل علماء المدينة عليها وأما من يقولون إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما كانت تجب طاعته في عهده ولا يجب العمل بعده إلا بالقرآن وحده فهم زنادقة ضالون مضلون يريدون هدم الاسلام بدعوى الاسلام ، بل تجب طاعة الرسول كما أطلقها اللّه تعالى ويجب التأسي به في كل زمان إلى يوم القيامة . بل نقول اننا نهتدي بخلفائه الراشدين ، وأئمة أهل بيته الطاهرين ، وعلماء أصحابه العاملين ، وعلماء السلف من التابعين وأئمة الأمصار من أهل البيت والفقهاء والمحدثين ، نهتدي بهم في آدابهم واجتهاداتهم القضائية والسياسية مع مراعاة القواعد الشرعية والمصالح العامة ، ولا نسمي شيئا منها دينا ندين اللّه به الا